rachir aafif 2 telegraph - دبلوماسية "البوووز"

دبلوماسية “البوووز”

ليس من البطولة في شيء أن تتحول بعض الفيديوهات التي حظيت بمشاهدات واسعة إلى انتصارات دبلوماسية تثير النقاش وتخلق الجدل وتدفع الجماهير إلى رفع الرايات الوطنية في وجه خصوم الوحدة الترابية وتنطلق التحليلات والمقالات الممجدة لغزوات المغرب في إفريقيا. وليس من الدبلوماسية في شيء أن يضع وزير الخارجية نفسه في موقف يمكن أن يتحول إلى صراع ونزال مع بعض حراس الأمن على بوابة من البوابات في مؤتمر من المؤتمرات العابرة. هناك قدر وهيبة يجب أن يحفظهما رئيس الدبلوماسية لبلاده بأن لا يضع نفسه في مواقف “بايخة” ويصبح عرضة للإهانة والتقريع من طرف موظف صغير في بلد الاستقبال لا يدرك معنى الحصانة الدبلوماسية.

فالإهانة التي قد يتعرض لها هذا الوزير ليست في الحقيقة موجهة لشخصه وإنما هي موجهة للبلد الذي يمثله. وكل موقف غير مدروس يتخذه الوزير يمكن أن يعود على هذا البلد بتبعات قد تتطلب معالجتها جهدا دبىوماسيا مضاعفا وأمدا زمنيا طويلا. وليس من الحكمة في شيء أن تفتح جبهات جديدة أو تنكأ جروح قديمة بعد أن قطعنا أشواطا طويلة في طريق استرجاع المكانة التاريخية في القارة السمراء. وبالنسبة لبلد مثل المغرب يعود تدريجيا إلى الحضن الإفريقي ويبني جسورا من المصالح المشتركة مع بلدان القارة فإن الدبلوماسية الهادئة والناعمة تبقى أنجع نهج وأكثره فعالية ومردودية. فالشجار والمواجهة المباشرة، وإن كانت على حق يجب أن ينتزع، يمكن أن تبعث رسائل سلبية ومضللة عن حقيقة المواقف والحقوق الوطنية سواء تعلق الأمر بقضية الوحدة الترابية أو بالتنافس حول الفرص الاقتصادية والاستثمارية.

الدبلوماسية الناعمة أثبتت فاعليتها منذ أن أطلق المغرب مبادرة التفاوض حول الحكم الذاتي في الصحراء والتي تعتبر في حد ذاتها أكبر دليل على الاختيار الدبلوماسي الهادئ والذي لم يعد يخشى الانفتاح والحوار وجعلهما ركيزتين للاستراتيجية المنتهجة منذ عقد من الزمن. حوار تجسد من خلال المفاوضات المباشرة مع البوليساريو منذ 2007 تاريخ انطلاق مسلسل مانهاست. وانفتاح ظهر بجلاء في دخول المغرب نطاق شرق إفريقيا وبعض البلدان الإفريقية الأنجلوسكسونية التي لا تخفي دعمها لأطروحة الانفصال في الصحراء وعلى رأسها نيجيريا. هذه التجارب التي شكلت منعطفا في السياسة الخارجية تقدم صورة إيجابية وقوية عن دبلوماسيتنا التي لم تعد تخشى أن تواجه بالشعارات أو المؤامرات أو الدسائس. هذه لغة تنتمي إلى عصر الحرب الباردة التي عادت إلى غير رجعة وحلت بدلها اليوم لغة العولمة، لغة المصالح والاستثمارات والأسواق والأمن المشترك.

وفي سبيل هذه المكاسب لا يضطر وزراء الخارجية في أمريكا أو الصين أو تركيا إلى الدخول في شجارات هامشية مع موظفين صغار أو إلى ضرب ميكروفونات قنوات تنتمي لبلدان معادية مثلما سبق لوزير الخارجية المصري أن فعل بميكروفون قناة الجزيرة. مثل هذه السلوكات تقزم هذا المسؤول وقد تجعله موضوع سخرية وانتقاد لا ينتهيان وربما التصقت هذه الحادثة بسيرته بشكل لا يخدم صورته بين نظرائه عبر العالم. ما ينتظره المواطنون من هذا الوزير هو أن يتفانى في الدفاع عن مصالح البلاد بمواقف مدروسة سلفا وبمبادرات مضمونة العواقب والنتائج بعيدا عن الإثارة ونسب المشاهدة العالية. وهذا يعني أن العمل الحقيقي الذي يقوم به وزير الخارجية هو الذي يقوم به هناك في مكتبه بمساعدة مستشاريه وبتنسيق مع سفرائه وهو يضع الخطة الدبلوماسية المناسبة لكل إقليم أو منطقة أو حتى بلد. هذا الجزء النظري من عمل وزارة الخارجية يعتبر مرحلة حاسمة لأنها بمثابة إنجيل لكل الهيئة الدبلوماسية ومسؤولي الشؤون الخارجية يتبعون تعليماته ويقدمون الحساب والحصيلة بناء عليه وليس بناءا على “البوووز” الذي قد تثيره بعض تحركاتهم ومبادراتهم.

شاهد أيضاً

666ae18a c331 4937 97be 53a58941fe65 310x165 - كائنات انتخابية مقيتة!!

كائنات انتخابية مقيتة!!

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يبدو أن غياب “ربط المسؤولية بالمحاسبة” لايزال يسيل لعاب صناع العبث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *