اللطيف الجواهري - هل سكت الجواهري دهرا لينطق "باكورًا"؟

هل سكت الجواهري دهرا لينطق “باكورًا”؟

استطاب والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري منذ زمن ليس بالقصير أحاديثه أمام الصحافة ووسائل الإعلام بلغته البسيطة المشبعة بلكنته المميزة، وهو يروي أحاجيه عن السياسة والسياسيين والأحزاب والمتحزبين، أحيانا بالتلميح وأحيانا بالتصريح. ورغم أن مجال اختصاصه وصلاحياته بحر بلا ساحل يمكنه أن يسهب في الحديث عنه وعن منجزاته وإخفاقاته وعن تحدياته ومشاكله ما شاء الله، إلا أن الرجل الثمانيني الذي عمّر على رأس بنك المغرب لم يعد قادرا على إخفاء نزوعه السياسي وهو يكيل الاتهامات والانتقادات للأحزاب والطبقة السياسية بمختلف أطيافها. لا أحد يشكك في مبدأ حرية التعبير كحق من حقوق الإنسان الأساسية التي يكفلها الدستور المغربي، لكن عندما يكون المتحدث هو أكبر سلطة مالية في البلاد، فإن هذه الحرية تصبح مصبوغة بالكثير من المحاذير والاحترازات.

لن نناقش هنا لغة “الباكور والزعتر” المستغربة التي تحدث بها عبد اللطيف الجواهري، وهو الرجل الأنيق والمؤهل الذي يتكلم عدة لغات ويسير أكبر مؤسسة بنكية في المغرب، لكن من حقنا أن نناقش مضمونها ورسائلها. لماذا يحرص الجواهري منذ فترة على كيل الاتهامات للطبقة السياسية وللأحزاب على الخصوص ويكاد يربط بينها وبين مظاهر الفساد والتلاعب وغيرها؟ إن أول من يعرف أن هذا الربط غير بريء ومغالِط هو الجواهري نفسه، ابن المؤسسة التقنوقراطية، الذي خبر خبايا المؤسسات المالية في المغرب، ويعلم أن ما أحدثته الأخطاء التنقوقراطية في التسيير المالي بالمغرب أفدح وأعمق مما أحدثته أو يمكن أن تحدثه النخب الحزبية والسياسية التي تحمّلت المسؤولية.

إذا كانت جل المؤسسات العمومية أو الشبه عمومية في المغرب تسيّر منذ عقود من طرف كفاءات تقنوقراطية خالصة، وجلّ هذه المؤسسات سجلت في الماضي البعيد والقريب أو حتى في الحاضر اختلالات مالية وإدارية لا حصر لها فمن الأولى بنعت “الباكور والزعتر” في هذه الحالة؟ مع التعفف من طبعا من استعمال مثل هذه الألفاظ. إذا اطلع عبد اللطيف الجواهري على تقارير المجلس الأعلى للحسابات سيعلم أن الاختلالات التي يتحدث عنها لا توجد فقط في المجالس المنتخبة التي يسيرها الحزبيون بل هي أيضا جزء من المشكلات التي تعاني منها مؤسسات ضخمة بميزانيات كبيرة يتحمل مسؤوليتها أطر كفؤة ممن درس في أرقى الجامعات والمعاهد الدولية، ولا علاقة لها بالأحزاب السياسية.

ما سر هجوم الجواهري إذن على الأحزاب السياسية؟ هل هو سعي إلى البحث عن موقع سياسي في الحكومة المقبلة؟ ليس بهذا الأسلوب يمكن لمسؤول كبير مثل عبد الرفيع الجواهري أن يتموقع ويضع قدمه في الحقل السياسي. يجب أولا أن يكون في كلامه منطق يمكن فهمه أو استيعابه، أما أن يسكت دهرا لينطق “باكورا” على حد قوله، فهذا أمر قديم يلجئ إليه مرة أخرى من أجل الإساءة لأحد مقومات البناء الديمقراطي التي لا محيد عنها. الأحزاب السياسية ليست اختيارا إنها ضرورة لكل مشروع ديمقراطي حداثي كهذا الذي نسعى جميعا ملكا وشعبا وحكومة وأحزابا من أجل بلوغه والوصول إليه.

نحن لا ننزه الأحزاب السياسية ولا أطرها، ولا نعتبرهم ملائكة منزلين، لكن الخطاب التبخيسي الذي يراهن باستمرار على التشكيك في جدوى العمل السياسي والقتل المعنوي لصورة الأحزاب السياسية وقرْن النخب الحزبية بانهيار المؤسسات وانعدام الوطنية، يعتبر من صميم المؤامرة التي تحاك ضد هذه المؤسسات نفسها وضد الاستحقاقات الديمقراطية التي تمثل مصدر الشرعية الوحيد لهذا الاستقرار الذي نعيش فيه، ولاستمرار رجال مثل عبد اللطيف الجواهري على رأس مهامهم لسنوات طويلة.

شاهد أيضاً

46c496cc22c50f35459aa24c10fe326d 1652216614 310x165 - التقارب السياسي المغربي الإسباني يصل ذروته

التقارب السياسي المغربي الإسباني يصل ذروته

يبدو أن التقارب المغربي الإسباني وصل ذروته في الآونة الأخيرة، وسط وعي من الطرفين على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *